أبي بكر جابر الجزائري

49

ايسر التفاسير لكلام العلى الكبير

كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ : أي ظالم يجبر الناس على مراده عنيد كثير العناد . مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ : أي هو ما يخرج سائلا من أجواف أهل النار مختلطا من قيح ودم وعرق . يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ : أي يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته ولا يقارب ازدراده لقبحه ومراراته . وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ : أي لشدة ما يحيط به من العذاب فكل أسباب الموت حاصلة ولكن لا يموت . أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ : أي الصالحة منها كصلة الرحم وبر الوالدين وإقراء الضيف وفك الأسير والفاسدة كعبادة الأصنام بالذبح لها والنذر والحلف والعكوف حولها كرماد . لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ : أي لا يحصلون من أعمالهم التي كسبوها على ثواب وإن قل لأنها باطلة بالشرك . وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ : أي بصعب ممتنع عليه . معنى الآيات : هذا آخر حديث ما ذكر به موسى قومه من أنباء الأمم السابقة على بني إسرائيل ، قال تعالى في الإخبار عنهم : وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أي واستفتح الرسل أي طلبوا من اللّه تعالى أن يفتح عليهم « 1 » بنصر على أعدائه وأعدائهم واستجاب اللّه لهم ، وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ « 2 » أي خسر وهلك كل ظالم طاغ معاند للحق وأهله ، وقوله « 1 » : مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ « 3 » أي أمامه جهنم تنتظره سيدخلها بعد هلاكه ويعطش ويطلب الماء

--> ( 1 ) كقولهم : رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ قالها شعيب والمؤمنون معه ، وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يدعو طالبا نصره وهزيمة أعدائه . ( 2 ) العنيد : المعاند للحق ، والجبار : المتعاظم الشديد التكبر ، وقيل هو من يجبر الناس على مراده ، وهو وصف مذموم لغير اللّه تعالى . ( 3 ) لفظ وراء يطلق على ما كان خلفا وما كان أماما ، لأنّ كل ما ووري أي : استتر فهو وراء . وقوله : مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ : صفة لجبار عنيد ، والوراء مستعمل في معنى ما ينتظره ويحل به من بعد ، قال الشاعر : عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب أي بعده .